أحمد عبد الفتاح زواوي

94

شمائل الرسول ( ص )

ثاني الاثنين ، أي ليس معهما أحد من البشر ، قال تعالى : إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين . 5 - تعظيم شأن هجرته ، حيث ذكر اللّه خروجه مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في سياق المدح ، وهذا أكبر دليل على أنها كانت في سبيل الله ، وإثبات المعية والصحبة ، يتوجب تضعيف الحسنات ورفع الدرجات ، لأن الهجرة مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ليست كالهجرة مع غيره ، فهي مناقب بعضها فوق بعض ، لا ندري أيها أعظم . 6 - يتفرع على ما سبق ، وجوب حب صدّيق هذه الأمة . ومن علامات هذا الحب ، كثرة الثناء عليه ، وذكر مناقبه ، والذب عن عرضه ، والامتنان له بما قدمه لله ورسوله ، روى البخاري عن ابن عبّاس قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مرضه الّذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة فقعد على المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : « إنّه ليس من النّاس أحد أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ، ولو كنت متّخذا من النّاس خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا ، ولكن خلّة الإسلام أفضل ، سدّوا عنّي كلّ خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر » « 1 » . أقول : حسبنا هذا الحديث لمعرفة فضل الصديق . الفائدة الثالثة : يستدل من الآية أن الهجرة كانت نصرا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إذ ذكرت الخروج بعد إثبات نصرة اللّه لرسوله ، قال تعالى : فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا . الفائدة الرابعة : وهي لطيفة من لطائف القرآن العظيم ، حيث ورد في الآية : وَكَلِمَةُ اللَّهِ مرفوعة ، على أنها مبتدأ ، ولم تعطف على وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، كما يتبادر إلى ذهن القارئ ، وهذا يفيد أن اللّه هو الذي جعل كلمة الذين كفروا في السفال ، أما كلمة الله ، فهي دائما في علو قبل وبعد الهجرة . ونستفيد أيضا ، ملاءمة ما يذكر في ختام الآية ، من أسماء وصفات لله تعالى ، مع معنى الآيات ، وما يذكر فيها من أحكام ، فالآية هنا ختمت بصفتي العزة والحكمة ، فبعزة اللّه - سبحانه وتعالى - ، نصر عبده وصاحبه على جحافل الكفار ، وبحكمته قدّر الهجرة لتكون نصرا مبينا لدينه ونبيه صلّى اللّه عليه وسلّم . ونصيحة لكل مسلم أن يتدبر القرآن وهو يقرأه ، ليتلمس ما فيه من البدائع والفوائد ، وأن يأخذ بالأسباب التي تعينه على مطلوبه .

--> ( 1 ) البخاري ، كتاب : الصلاة ، باب : الخوخة والممر في المسجد ، برقم ( 467 ) .